Page 13 - 201601m
P. 13

‫تشرين الثاني ‪6102‬‬  ‫العدد الاول السنة الاولى‬  ‫اوروك‬

‫العلوم والتكنولوجيا عند العرب المسلمين‬
 ‫في المنظور العالمي للتاريخ الإنساني‬

                                  ‫أ‪.‬د‪.‬خالد الخطيب‬

                           ‫‪BSc, MSc, PhD, M.Inst.P, MIEE, C.Eng.‬‬
                                 ‫أستاذ الهندسة الإلكترونية وهندسة الإتصالات‬

                                                                                                       ‫تمهيد‬
‫لقد كان للعلماء العرب المتميزين الدور الكبير والريادي في رفد البشرية بأرقى العلوم من طب وهندسة وفيزياء‬
‫وكيمياء ورياضيات وفلك وغيرها وتقنيات وابتكارات عظيمة وبفضل أولئك العلماء الأفذاذ تقدمت البشرية واستنار‬
‫علماء العالم المعاصرين بنور المساهمات الأصيلة التي أرسى قواعدها العلماء المسلمون‪ .‬وبفضل التوجيهات‬
‫القرآنية والسنة النبوية فقد نهضت العلوم البحتة والعلوم التطبيقية بالإضافة الى التكنولوجيا‪ .‬وقد ينظر الى‬
‫التكنولوجيا على أنها التطبيقات العلمية التي تؤدي الى تحسين نوعية الإنتاج والتقليل من كلفته لمتطلبات حياة‬
‫الإنسان‪ .‬وقد يصعب في بعض الأحيان التمييز بين العلم والتكنولوجيا‪ .‬تشكل التكنولوجيا في يومنا هذا كما كانت‬

     ‫عبر التاريخ مصدرا مهما من مصادر ثروات المجتمع وقدراته في عالم ينظر باحتقار للأمم الضعيفة والفقيرة‪.‬‬

                                                                                                  ‫المقدمة‬

‫لا شك أن حاضر المسلمين اليوم بما فيه من تخلف تنموي وتخلف تكنولوجي يجعلهم من أضعف الحلقات في‬
‫المنظومة العالمية‪ ،‬على الرغم من وقوعهم في مركز الأحداث‪ .‬فتاريخهم وجغرافيتهم اصبحت اهدافا للنزاعات‬
‫الدولية التي تتقرر بموجبها الإستراتيجيات العالمية‪ .‬ورغم امتلاكهم لمصادر الثروات الطبيعية وتميزهم بالثراء‬
‫الروحي ما يجعلهم مؤهلين للإرتقاء في سلم الحضارة الإنسانية ليكونوا قادة الأمم في جميع النواحي ألا إن التخلف‬
‫التكنولوجي وتفرق الصفوف وتفاهة النزاعات الداخلية أدت الى تقهقر رهيب للأمة‪ ،‬و هي أعراض للمرض الذي‬

                                                                                                      ‫تعانيه‪.‬‬

‫يقرر ابن خلدون في "المقدمة" ما معناه أن شروط الوحدة للأمة صيرورة تاريخية ومدنية‪ .‬ومن خلال تحليله الدقيق‬
‫للنموذج الاسلامي الذي يقوم على المعاني القرآنية للحضارة والتاريخ فإنه يشير الى الحس العالي والإدراك‬
‫الاسلامي العميق لضرورة تحقيق تلك الشروط المبنية على العلم‪ .‬إن غياب شروط الوحدة وفق هذا المفهوم قد أدى‬
‫الى سقوط ومن ثم انهيار المنظومة الاسلامية‪ .‬وهذه الحقيقة هي السبب في كل ما نراه من معاناة اجتماعية‬
‫واقتصادية وسياسية لمسلمي العالم وخصوصا في الشرق الأوسط‪ .‬هناك عاملان رئيسيان لهذا السقوط كما يبينهما‬
‫ابن خلدون ( ‪ ) 3‬الأول عامل معنوي أو اخلاقي بمعنى فساد الصفاء الفكري الانساني‪ ،‬وذلك ناجم عن الإضطهاد‬
‫والظلم الذي يجرح كرامة الانسان وحريته سواء كان فردا او مجتمعا وقد يأتي من داخل المنظومة او من خارجها‪.‬‬
‫وأما العامل الثاني فهو فساد المعنى الانساني بالمفهوم المعرفي‪ ،‬أي فقدان القدرة على التفكير الحر والقدرة على‬
‫التعليل والتحليل المنطقي للأمور من قبل الفرد او المجتمع‪ .‬إن كلا من العاملين ناشيء عن خلل في المنظومة‬
‫السياسية‪ .‬وإن أيا منهما يستدعي البحث في مفهوم العدالة‪ ،‬ذلك المفهوم الذي يقوم على مرتكزين اساسيين هما‬
‫التوزيع العادل للثروة و المشاركة الفعلية في السلطة أي المشاركة في صنع القرار‪ .‬لا شك أن لكل من العاملين‬
‫تأثير على استراتيجية التعليم التي يتقرر بموجبها بناء الخبرات الذاتية والارادة الحرة أو كبتهما‪ .‬فالاسلام دين يقوم‬
‫على المعرفة والإيمان و الفعل فيه مبني على منطق التأثير ورد الفعل‪ .‬فيصبح الإلتزام بالمبادئ أي الأوامر‬

          ‫والنواهي فعل طوعي يقوم على التعليل الواعي‪ .‬وكلما كان الفهم واضحا كانت ردود الفعل أكثر التزاما‪.‬‬

                   ‫‪13‬‬
   8   9   10   11   12   13   14   15   16   17   18