Page 17 - 201601m
P. 17

‫تشرين الثاني ‪6102‬‬  ‫العدد الاول السنة الاولى‬  ‫اوروك‬

‫العلوم فسالت دماؤهم حتى احمرت مياه دجلة‪ .‬ودمرت المكتبات وآلاف الكتب حرقا أو ألقيت كميات هائلة منها في‬
‫نهر دجلة حتى اًصطبغ ماؤه بلون حبرهأ حسب ما ذكرته المراجع التاريخية عن المشاهد المأساوية التي عاشتها‬
‫بغداد تلك الفترة‪ .‬ولقد اطلعت بنفسي على نسخة من كتاب في المكتبة التابعة لمدرسة الإمام الأعظم أبي حنيفة‬
‫النعمان بن ثابت الكوفي‪ ،‬مازالت شواهد البلل عليها تشير الى ذلك الحدث الجلل حيث كتب على الصفحة الأولى‬
‫انتشل هذا الكتاب من نهر دجلة‪ ،‬تلك العبارة موقعة ومؤرخة ‪ 252‬هـ‪ .‬ومن ثم جرى تقسيم الدولة الإسلامية الى‬
‫إمارات وسلطنات مفككة وإن كانت اسميا تدين بالولاء لكرسي الخلافة الذي اصبح في القاهرة بدل بغداد في ظل‬

                                                                                             ‫الدولة الفاطمية‪.‬‬
‫وأما الموجة الثانية من تدمير الموروث العلمي والحضاري للأمة الاسلامية والتي كادت أن تكون متزامنة مع‬
‫الموجة الأولى فقد كان روادها صليبيو الشعوب الأوربية الذين ارتكبوا أشنع الفضائع ليس فقط بحق المسلمين وإنما‬
‫شملت اعمالهم الشنيعة حتى المسيحيين العرب‪ .‬وذهب ضحيتها آلعديد من العلماء الذين ذبحوا بدم بارد كما تم تدمير‬

                                           ‫مكتبات ضخمة مع كم هائل من البنى التحتية و الكتب العلمية النفيسة‪.‬‬
‫وأما الحدث الرهيب الثالث فقد كان موجة الحقد على مسلمي الأندلس سنة ‪ 37/2‬حيث جرت عمليات إبادة جماعية‬
‫وتطهير عرقي وتدمير شامل طال بشكل وحشي البشر والمكتبات العامة وحرق ما يزيد على مليون كتاب من‬
‫المؤلفات العربية في ساحة فيفارامبلا في غرناطة ( ‪ ) 5‬لقد مثلت تلك الكتب نفائس علوم العصر ومساهمات علمية‬
‫أصيلة وسبق علمي تخطى زمانه عقودا إن لم نقل قرونا من الزمن‪ .‬إلا أن المصادر لم تذكر العدد الفعلي للكتب ولم‬
‫تذكر شيئا عن الكتب التي كانت من ضمن المقتنيات الخاصة لهواة جمع الكتب والمتاجرين بها ومعظمهم من اليهود‪.‬‬
‫ولعل من المهم جدا أن نذكر بأن الكثير من أمهات الكتب والرسائل العلمية قد ترجمت الى اللاتينية أو العبرية ومن‬
‫ثم تم إتلاف النسخ العربية الأصيلة في عملية إجرامية وتجن على الحقيقة والتاريخ‪ .‬ومما يذكر فإن كتاب المناظير‬

                                                                       ‫لابن الهيثم لا يوجد له أثر إلا باللاتينية‪.‬‬
‫و كل ذلك لم يثني المسلمين في بقاع أخرى من العالم عن متابعة الدراسات والبحث العلمي وإجراء التجارب‬
‫وتحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية رائعة‪ .‬فقد استطاعت الدولة العثمانية أن تزاوج ما بين القدرات الفكرية‬
‫الاسلامية عند العرب والقدرة العسكرية الناهضة لدى الأتراك ما أدى الى توحيد بقاع وأقاليم عديدة تحت راية‬
‫الاسلام مما جعل الأمة تستعيد بعضا من عافيتها العلمية فقد تمكن أحمد جلبي من الإقلاع من برج كلطا والطيران‬
‫عبر البسفور‪ .‬وبعده بنحو خمسين سنة أعقبه رجل آخر من عائلة الجلبي من إطلاق أول صاروخ فضائي الى اعالي‬

                         ‫الجو مستخدما وقودا من بارود المدافع يقدر بحوالي ‪ 352‬حقة أي ما يعادل ‪ 322‬باون‪.‬‬
                                                            ‫التدمير الشامل للقدرة العلمية العربية (العراق)‬

‫لقد عكفت الدول الاستعمارية على تدمير أية بادرة نهضوية عربية لأنها ترى فيها انهيارا للمنظومة الإمبريالية التي‬
‫تسيطر على عالم اليوم ملتزمة بمقررات مؤتمر كامبل بنرمان التى جرى تثبيتها بوثيقة مكماهون‪ .‬وهي الإبقاء على‬
‫حالة التخلف التي تعيشها الأمة العربية ومواصلة دعمها للكيان الصهيوني من أجل إدامة حالة عدم الإستقرار‪ .‬لأن‬
‫الإستقرار يؤدي الى التقدم وعكسه يؤدي الى التخلف‪ .‬لقد حاولت بعض الأنظمة العربية أن تكسر هذا الطوق‬
‫بمختلف الوسائل‪ .‬فمثلا حاولت القيادة العراقية في العهد الملكي بقيادة نوري باشا السعيد أن تتهادن من القوة‬
‫الامبريالية الأولى آنذاك وهي بريطانيا العظمى ومن ثم التودد للإمبريالية الأمريكية من خلال حلف بغداد دون‬
‫جدوى‪ .‬كما حاولت القيادة المصرية في عهد الملك فاروق من التقرب الى ألمانيا ولم يجد الأمر نفعا‪ .‬ثم جاء الرئيس‬
‫جمال عبد الناصر بفكرة الحياد الايجابي مستعينا بجواهر لال نهرو وبروس تيتو وأحمد سوكارنو‪ .‬ثم أعلن صداقته‬

                                                   ‫للإتحاد السوفياتي فكان عاقبة أمره نكسة ‪ 5‬حزيران ‪.3/24‬‬
‫ما العمل إذن لا بد من استراتيجية الاعتماد على الذات وتسخير الموارد المتاحة‪ .‬بدأ العراق ببناء الإنسان مستخدما‬
‫الثروة النفطية في مشروع حضاري تنموي لم تشهده أية دولة عربية من قبل‪ .‬وبدلا من إنفاق الثروة على متع‬
‫الحكام وممتلكاتهم الشخصية من قصور وسيارات مدرعة وقصور بمرافق صحية مذهبة فقد أرسلت البعثات العلمية‬

                                                                           ‫‪17‬‬
   12   13   14   15   16   17   18   19   20   21   22